أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
78
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2655 - كأنّ ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمّل « 1 » بجر « مزمّل » وهو صفة ل « كبير » ، وقد تقدم القول في ذلك مشبعا في سورة المائدة « 2 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 5 ] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 5 ) قوله : يَثْنُونَ . قرأ الجمهور بفتح الياء وسكون الثاء المثلثة وهو مضارع ثنى يثني ثنيا ، أي : طوى وذوى . و « صُدُورَهُمْ » مفعول به ، والمعنى : يحرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله ، والأصل : يثينون فأعلّ بحذف الضمة عن الياء ، ثم بحذف الياء لالتقاء الساكنين . وقرأ سعيد بن جبير « يثنون » بضم الياء وهو مضارع « أثنى » كأكرم ، واستشكل الناس هذه القراءة ، فقال أبو البقاء : « ماضيه أثنى » ولا يعرف في اللغة إلا أن يقال : معناه عرضوها للإثناء ، كما يقال : « أبعت الفرس إذا عرّضته للبيع » . وقال صاحب اللوامح : « ولا يعرف الإثناء في هذا الباب ، إلا أنه يراد به وجدتها مثنية مثل : أحمدته وأمجدته ولعله فتح النون ، وهذا مما فعل بهم فيكون نصب « صُدُورَهُمْ » بنزع الخافض ، ويجوز على ذلك أن يكون « صُدُورَهُمْ » رفعا على البدل ، بدل البعض من الكلّ » . قلت : يعنى بقوله فتح النون أي : ولعل ابن جبير قرأ ذلك بفتح نون « يثنون » فيكون مبنيا للمفعول ، وهو معنى قوله : وهذا مما فعل بهم أي : وجدوا كذلك ، فعلى هذا يكون « صُدُورَهُمْ » منصوبا بنزع الخافض ، أي : في صدورهم ، أي : يوجد الثني في صدورهم ، ولذلك جوّز رفعه على البدل كقولك : « ضرب زيد الظّهر » . ومن جوّز تعريف التمييز لا يبعد عنده أن ينتصب « صُدُورَهُمْ » على التمييز بهذا التقدير الذي قدره . وقرأ ابن عباس وعلي بن الحسين وابناه زيد ومحمد وابنه جعفر ومجاهد وابن يعمر وعبد الرحمن بن أبزى . وأبو الأسود « تثنوني » مضارع « أثنونى » على وزن افعوعل من الثني ك « إحلولى » من الحلاوة وهو بناء مبالغة . « صدورهم » بالرفع على الفاعلية . ونقل ابن عباس وابن يعمر ومجاهد وابن أبي إسحاق « تثنوني صدورهم » بالتاء والياء ، لأن التأنيث مجازي فجاز تذكير الفعل باعتبار تأويل فاعله بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويل فاعله بالجماعة . وقرأ ابن عباس أيضا وعروة وابن أبي أبزى والأعمش « يثنونّ » بفتح الياء وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة ، والأصل : يثنونن بوزن : يفعوعل من الثن وهو ماهش وضعف من الكلأ يريد مطاوعة نفوسهم للثني . كما يثنى الهش من النبات ، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم و « صدورهم » بالرفع على الفاعلية ، وقرأ مجاهد وعروة أيضا كذلك إلا أنهما جعلا مكان الواو المكسورة همزة مكسورة فأخرجاها مثل « تَطْمَئِنُّ » * وفيها تخريجان : أحدهما : أن الواو قلبت همزة لاستثقال الكسرة عليها ومثله : إعاء وإشاح في وعاء ووشاح ، لما استثقلوا الكسرة على الواو ابدلوها همزة . والثاني : أن وزنه تفعيل من الثن ، وهو ما ضعف من النبات كما تقدم وذلك أنه مضارع ل « اثنأنّ » مثل : احمأرّ ، واصفأرّ ، وقد تقدم لك أنّ من العرب من يقلب مثل هذه الألف همزة كقوله :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) آية : رقم ( 6 ) .